أقنعة

أقنعة تملأ حياتنا
وتخدع عفويتنا
وتقتل إنسانيتنا
وتحجب عنا رؤية الواقع المؤلم
وتؤخر إنكشاف الحقيقة التي لابد أن تظهر في نهاية المطاف.

أقنعة..
تعطل فهمنا للحياة..
وتكبل انطلاقتنا للمستقبل..
وتعلقنا بالماضي..

أقنعة ترتكئ على المصالح الضيقة.. وأحياناً القذرة!
تزيّف مشاعرنا.. وتسلب مصداقيتنا!
تجعل الانضباط مذمة.. والانفلات منقبة!

أقنعة تخنقنا.. فمتى ننزعها عن وجوهنا؟!

 


مصدر الصورة

الرمز.. بدر كريّم

يصف الراحل الكبير بدر كريّم نفسه بأنه «ينبعي المولد، مديني المنشأ، جدّي الشباب، رياضي الإقامة»، ملخّصاً تجارب حياته ومراحلها عبر هذه المدن الأربع. قضى سنواته العشر الأولى بين ينبع والمدينة المنورة، ثم انتقل مع والده إلى جدة، التي عمل بها جابياً دون أجر عند أحد تجارها، فمخلصاً جمركياً، قبل أن يعين في إدارة الجوازات براتب بلغ 360 ريالاً، ثم عمل في إدارة مراقبة المطبوعات.

في جدة، مارس أول عمل إذاعي بوصفه مذيع ربط، فقارئاً للأخبار، فمقدماً للبرامج. أكمل -في تلك الأثناء- مرحلة التعليم الابتدائي، التي يصف كريم إتمامها بأهم نقلة نوعية في حياته. في الإذاعة التي يعتبرها «الحبيب الأول»، حاور الكثير من الشخصيات المعروفة في مختلف المجالات محلياً وعربياً، ومر عبر تحديات سياسية، وواجه انتقادات مهنية لاذعة بعضها دفعه إلى البكاء، كما حدث عندما طالب الشيخ حمد الجاسر بإبعاده عن الإذاعة نظراً لأخطائه اللغوية الكثيرة. ذات السبب قاد وزير الإعلام آنذاك جميل الحجيلان إلى إيقاف كريّم عن العمل الإذاعي، لكنه لم يستسلم -كما كان دوماً- فاستعان لتقوية موضع ضعفه إلى خبراء اللغة مثل أبوتراب الظاهري، ليصبح أبوياسر بعد زمن مرجعاً لغوياً للكتّاب والمذيعين. تجربة ناجحة أيضاً عاشها بدر كريّم في التلفزيون، زامل خلال عمله فيه رواد المذيعين، وواصل صعوده ليصبح مديرًا للإذاعة، فنائباً لرئيس تحرير عكاظ، ثم مديرًا عامًا لوكالة الأنباء السعودية. وبعد سنوات من تقاعده، انضم لعضوية مجلس الشورى.

لم أكن من جيل استمع لبدر كريّم في الإذاعة، ولا ممن شاهده عبر الرائي (كما يحب أحياناً أن يسمي التلفزيون)، بل إن تعرفي لشخصيته، جاء في الخمس عشرة سنة الأخيرة من حياته عبر ملازمتي للأستاذ عبدالرحمن بن صالح الشثري، مدير علاقات الحرس الوطني في فترتها الذهبية ورئيس تحرير مجلة الحرس لسنوات طويلة، الذي أتاح لي مجلسه العامر فرصاً كثيرة للقاء وجوه ثقافية وإعلامية بارزة. وكان من أجملها التعرف عن قرب بالدكتور بدر كريّم صاحب الحضور الدائم واللافت بمروياته عن تاريخ الإعلام السعودي وأحداثه ورواده.

رأيت بدر كريّم للمرة الأولى على سرير المرض في تخصصي الرياض بعد جراحة أجريت له في القلب، ثم شاهدته وهو يقدم فقرات حفل جمعية مرضى الفشل الكلوي (جمعية الأمير فهد بن سلمان حالياً). في تلك المناسبة، قدم بدر كريّم فقرات الحفل تلبية لمقترح صديقه عبدالرحمن الشثري، الذي كان يومها يجوب المكان طولاً وعرضاً لتنسيق فقرات المناسبة التي اقترح تأسيسها وشارك في تدشين خطواتها الأولى، وكان فيها إلى جانب كريّم عضواً في مجلس الإدارة، باعتبار أبوهشام ممن عانوا من الفشل الكلوي سابقاً.

في مجلس الشثري، كان صوت بدر كريّم الرخيم يأتي بهدوء كما لو أنه يتحدث أمام مكبر صوت في استديو إذاعي، ما يدفع بعض الجلوس أحياناً إلى أن يطلبوا منه أن يرفع صوته قليلاً ليتمكنوا من متابعة تفاصيل القصة التي كان يتناولها عن ذلك الحدث أو تلك الشخصية. وكانت قصص الفيصل حاضرة باستمرار في أحاديث كريّم الذي كان يرأس الوفود الإعلامية في الزيارات الملكية في عهد الملك الراحل وما بعده. وظلّ كريّم يتحدث بإعجاب خاص عن شخصيات سعودية بارزة أثّرت فيه مثل الشيخ إبراهيم العنقري وآخرون.

اتصف د. بدر كريّم بالتواضع، وكان نبيلاً، دمث الخلق، وصاحب نكتة، وهي صفات لا يلبث أن يلحظها من يتعامل معه. ولم يكن يسخر -رحمه الله- إلا من نفسه، متناولاً عثرات بداياته بلغة من خبر الحياة وبلغ فيها المجد والشهرة بكفاح وشجاعة كان فيها يستفيد من الأخطاء دون مكابرة. ومن معالم وفائه قوله غير مرة أنه روى في كتبه بعضاً مما مر به من مواقف وأحداث، لكن جزءًا آخر سيدفن معه في قبره صوناً لثقة وضعها فيه أناس عمل معهم، ورحلوا قبله عن الدنيا.

كان -رحمه الله- حفيّاً بي ومحباً وكريماً. وأهداني كثيراً من كتبه التي كانت تصحبها رسائل خاصة تضمنت توصيات عن الحياة وتخصص الإعلام. وكان لهذا بالغ الأثر في نفسي، فلم أعتد على رسائل أو دعوات تصلني باسمي الشخصي، كما فعل في حفل مناقشة رسالته للدكتوراة التي حصل عليها بعدما تجاوز الخامسة والستين من عمره من جامعة الإمام بالرياض، إلى جانب مواقف أخرى منحني فيها أكثر مما استحق.

لسنوات طويلة، ظلّ د. بدر كريّم علامة بارزة في الإعلام السعودي بوسائله كافة ممارساً وباحثاً. وعبر مراحل عطائه وكفاحه الطويل، يقدم كريّم دروساً للجيل الجديد من الإعلاميين عن مفاتيح النجاح المهني، حيث مزج الراحل الكبير بين النظرية والممارسة في العمل الإعلامي، وأثبت أن العلم والعطاء ليسا محتكرين بعمر محدد، فاستمر يقرأ ويكتب ويؤلف وينتج وينقد حتى آخر أيامه.

والآن، وهو يغادرنا إلى الرفيق الأعلى بعد معاناة طويلة مع المرض، نقف بإعجاب وتأمل عند إرثه الإعلامي الحافل وشخصيته المتواضعة اللافتة. نعزي أنفسنا، وعائلته الكريمة، ومحبيه، وصديقه الخاص أستاذنا عبدالرحمن الشثري.

رحمك الله أيها الرمز المبتسم.

مقال منشور في:

http://www.al-jazirah.com/2015/20150615/wa1.htm

خواطر على هامش الطريق

مدخل: خواطر كتبت في أوقات متباعدة

يا بعيدة.. ويا قريبة..
يا سيدة الغنج..
يا جميلة سرقت هدوئي..
يا صغيرة استنزفت شعوري..
يا مدللة ملكت كياني..
يا شعلة أوقدت ناري..
يا حيرة كللت طريقي..
يا غيمة غطّت سمائي..
يا حلمي..
يا صباحي ومسائي..
يا عيوني..
يا شروقي..
يا سلامي..
أنت حديث الروح

**

كل الطرق خالية من محياك..
كل المقاهي مشتاقة للقياك..
أنت نور المدينة.. وشعلة الروح
أنت مُنى المشتاق.. ولوعة الحيران
كيف أخبر ذاتي باستحالتك؟
كيف أُقنع مركبي بعدمية الوصول إليك؟
كيف أُفهم قلبي أنك من كوكب آخر؟

**

ابتسامتك طوق نجاة يغريني..
ضحكتك خارطة طريق تغويني..
منطوقك كأس خمر يسكرني

**

خلصيني من جحيم السؤال..
وامنحيني ما يعيد لنفسي توازنها

أخبريني.. دون خوف أو تردد:ـ
هل أنا أشهد حلماً يتبدد؟

أنقذيني.. من سباتي وشرودي
واطفئي جمرة شوق تتجدد

**

آه يا قلبي
آه يا حلمي
كم ألاقي..
كم أعاني في ظلام الليل من غزو الحنين
كم يهزّ الوجد قلبي المستكين
إنني في خضّم الحب سوّاح أمين
أحجب الأشواق عن مرمى الناظرين
وأغنّي:ـ
“الله يكون بعون كل العاشقين”

**

كل يوم.. أشهد أنك سرقت قلبي
كل يوم.. أبحث عن جزء مفقود مني.. عندك
لكني لا أجدك
كل يوم.. اسأل نفسي: عنك وعني
كل يوم.. أتوق للقياك ومحياك ومبسمك

**

أنت سحر ابتليتُ به
أنت ضوضاء لا أنفك عنها
وصخب يشعلني طرباً وسلطنة

**

يا كلّ حياتي
يا طعم مماتي
يا نور طريقي
يا وردي
ويا بستاني

**

أنت جنة الدنيا.. ونعيمها
أنت دفء شتاءها
ونسيم صيفها
أنت ورود ربيعها
وأنا كسوف خريفها

**

آه كم أهواك
آه كم أشتاق إليك
آه كم أشفق على أرض لم تطئيها
وسماء لم تغطيك

**

إنني فيك أهوى المخاطرة
وأستريح إلى الضياع
واستمرئ الهذيان
حتى لكأني أنسى نفسي واسمي ومنشأي

**

أحب فيك إذعاني
وإقبالي على مراجعة ذاتي
كم أنت بارعة في تحريضي

**

هل تعلمين كم نختلف
هل تدركين فوارقنا
هل تتأملين في خياراتنا

**

أتوه بين نار الشوق واستحالة اللقاء
أتعذّب بعيداً هناك.. في أعماق أعماقي
أعيش في دائرة محاطة بطيوفك
أنىّ اتجهت.. أجدك أمامي
مهما ابتعدت.. أشعر بحصارك

**

كيف أثبت حبي وسط الجموع؟
إن تقدمت، أصابتني نبالهم
وإن تأخرت، سبقوني إليك
وإن صمتّ، متّ
وإن همست، داهمني عذلك

**

أقلّب عينيّ في فضاء السماء
فأجد روحي كما النجوم المتناثرة
معلقة مثلها في تيه وضياع

**

أتأمل القمر.. فألقاك في جانبه المظلم
وأرقب الشمس.. وأجدك في حرقة لهيبها

**

اليوم أشعر بالرضا
واستسلم للواقع
واستريح إلى غياهب العزلة
وأتعايش مع الضياع

**

أيها الشوق الذي لا ينجلي
أيها النور الجميل السرمدي

الخبيث

تتسلل غيلة، وتقضي ردحاً طويلاً في أجساد البشر، بلا مراعاة لحرماتهم أو أحزانهم.

ثم فجأة، تكشّر عن أنيابك الخبيثة، دون تفريق بين طفل ولا شاب، أو كهل. فلا يجدي معك أمل، ولا تثمر تضحية، ولا تنفع وجاهة!

ينكفئ الإنسان على نفسه، وينعزل عن محيطه، إكراماً لك، فيحاورك بهدوء ورويّة، ولسان حاله: إرحل، أو كن حميداً!

ثم يقايضك بأغلى أعضاءه علّك تمضي عنه سالماً مسلّماً، فتأبى مكابراً، إلا أن تنتزع من حياته أجمل ما فيها.

تعتاش على أرواح البشر، فتنخر أجسادهم دون رحمة، ثم تقطف زهور أعمارهم مرتين; مرة عندما تجهز عليهم، فيرون موتهم قبل حدوثه، وأخرى عندما تنجز مهمتك، فيكون موتهم حينذاك خلاصاً وسلاماً لهم، قياساً بما لقوه منك قبل.

أيها الخبيث:

ها قد أتممت مهمتك، وانتزعت روحاً في زهرة بقاءها، ثم رحلت فلولك معها!
فهل أنت مرتدع؟! أم أنك عاهدت نفسك أن تنزع البسمة من شفاه البشر، وكأن لحظات الابتسام فائضة في زمن يضنّ بالفرح.

أيها الباغي:

سيرحلون هم كما كتب الله، وستبقى ذكراهم عاطرة، وحكاياهم مجللة، تحفّهم دعوات المؤمنين بأن يلقوا في آخرتهم خير مما لقوا في دنياهم.

أما أنت، فستبحث عن فريسة أخرى.. تقتنص حياتها، وحياة أحبابها.

التنمية.. والقدر الضاغط!

يرتفع شعار التنمية في السعودية، ليغطي أرجاء واسعة مما يدور في البلاد. ولأن التنمية تمس حياة المجتمع والفرد على السواء، بُذل في التنظير لها حبر كثير، وأُنفق في تطبيقها جهد كبير. وتباينت حول التنمية الرؤى عن الوسائل الداعمة، والعوامل المعرقلة. وأدت ضبابية المصطلح إلى مروره بتحوّلات عديدة، فمن معيار تقاس به المواطنة الصالحة من خلال ما يعبّر به الفرد من أفكار وسلوكيات، إلى مفهوم نخبوي يسمع عنه ولا يشاهد، وقد يستغلّ أحياناً لإقرار تشريع أو إعتماد مشروع. لكن يتفق الكثير، على الأقل في الدول المتقدمة، أن التنمية البشرية عامل له أولوية لمن يروم التقدم، وهنا يبرز الجانب التعليمي، الذي يتضمن الإبتعاث. وعليه، فالإبتعاث مشروع تنموي حاسم، لنجاحه أو فشله أسباب مختلفة.

ومن أبرز من طرأ موخراً حول الإبتعاث، الحادث الإرهابي في مدينة بوسطن الأمريكية، حيث استخدمت فيه قدور ضغط. وبقدر ما كان للحادث ذاته دوراً سلبياً بفقد أرواح وإصابات لأبرياء، جاء الحادث مؤلماً، أيضاً، على ربطه بالمسلمين لجهة إحياء ذكرى سبتمبر. ولم يتوقف الأمر هنا، لأن تفاصيل الحادث لم تأت سارّة عندما أشارت إلى استخدام المنفذين لقدور الطبخ الضاغطة. ومرد ذلك، أن هذه القدور ظلّت، ولفترة طويلة، تعد عاملاً إيجابياً في حياة المبتعثين السعوديين بالإجمال، على مستوى تحقيق الأمن الغذائي، والإستقرار العاطفي، فضلاً عن محوريتها في إبراز شمائل الكرم العربية الأصيلة، عبر المآدب التي ميزّت المبتعثين عن أقرانهم من الطلاب الدوليين. وعلى المستوى الدراسي، ظلّت قدور الضغط تستخدم لكسر كثير من الحواجز الثقافية، وتكوين علاقات مع أبناء الشعوب المختلفة، بما يعزز ممارسة المبتعثين للغة مع أبناءها. ويأتي هنا سؤال مركزي: كيف أصبح قدر الضغط، بين يوم وضحاه، عاملاً منفراً، يثير الشكوك حول حامله، ومستخدمه؟ وكيف نتجاوز هذا المنعطف الصعب؟

أقول في الختام، أن التنمية البشرية في السعودية تعاني من مأزق صعب، لأنها تعوّل كثيراً على الإبتعاث الخارجي، الذي بدوره يستند في جانب مهم من نجاحه على قدور الضغط للأسباب الآنفة، وهذه القدور، أصبحت مثار شبهة لأسباب خارجية، ورغم الضغوط، لا يبدو أن المبتعثين على استعداد ليستغنوا عن قدورهم الضاغطة، فمن يحل المعضلة؟!

هنيئاً، لمبتعث اعتاد، كما أنا، على القدور العادية، فمعها يفر المرء من قدر الله إلى قدر الله.

وسلامتكم!

وترى الموضوع فيه دعابة.