يصف الراحل الكبير بدر كريّم نفسه بأنه «ينبعي المولد، مديني المنشأ، جدّي الشباب، رياضي الإقامة»، ملخّصاً تجارب حياته ومراحلها عبر هذه المدن الأربع. قضى سنواته العشر الأولى بين ينبع والمدينة المنورة، ثم انتقل مع والده إلى جدة، التي عمل بها جابياً دون أجر عند أحد تجارها، فمخلصاً جمركياً، قبل أن يعين في إدارة الجوازات براتب بلغ 360 ريالاً، ثم عمل في إدارة مراقبة المطبوعات.

في جدة، مارس أول عمل إذاعي بوصفه مذيع ربط، فقارئاً للأخبار، فمقدماً للبرامج. أكمل -في تلك الأثناء- مرحلة التعليم الابتدائي، التي يصف كريم إتمامها بأهم نقلة نوعية في حياته. في الإذاعة التي يعتبرها «الحبيب الأول»، حاور الكثير من الشخصيات المعروفة في مختلف المجالات محلياً وعربياً، ومر عبر تحديات سياسية، وواجه انتقادات مهنية لاذعة بعضها دفعه إلى البكاء، كما حدث عندما طالب الشيخ حمد الجاسر بإبعاده عن الإذاعة نظراً لأخطائه اللغوية الكثيرة. ذات السبب قاد وزير الإعلام آنذاك جميل الحجيلان إلى إيقاف كريّم عن العمل الإذاعي، لكنه لم يستسلم -كما كان دوماً- فاستعان لتقوية موضع ضعفه إلى خبراء اللغة مثل أبوتراب الظاهري، ليصبح أبوياسر بعد زمن مرجعاً لغوياً للكتّاب والمذيعين. تجربة ناجحة أيضاً عاشها بدر كريّم في التلفزيون، زامل خلال عمله فيه رواد المذيعين، وواصل صعوده ليصبح مديرًا للإذاعة، فنائباً لرئيس تحرير عكاظ، ثم مديرًا عامًا لوكالة الأنباء السعودية. وبعد سنوات من تقاعده، انضم لعضوية مجلس الشورى.

لم أكن من جيل استمع لبدر كريّم في الإذاعة، ولا ممن شاهده عبر الرائي (كما يحب أحياناً أن يسمي التلفزيون)، بل إن تعرفي لشخصيته، جاء في الخمس عشرة سنة الأخيرة من حياته عبر ملازمتي للأستاذ عبدالرحمن بن صالح الشثري، مدير علاقات الحرس الوطني في فترتها الذهبية ورئيس تحرير مجلة الحرس لسنوات طويلة، الذي أتاح لي مجلسه العامر فرصاً كثيرة للقاء وجوه ثقافية وإعلامية بارزة. وكان من أجملها التعرف عن قرب بالدكتور بدر كريّم صاحب الحضور الدائم واللافت بمروياته عن تاريخ الإعلام السعودي وأحداثه ورواده.

رأيت بدر كريّم للمرة الأولى على سرير المرض في تخصصي الرياض بعد جراحة أجريت له في القلب، ثم شاهدته وهو يقدم فقرات حفل جمعية مرضى الفشل الكلوي (جمعية الأمير فهد بن سلمان حالياً). في تلك المناسبة، قدم بدر كريّم فقرات الحفل تلبية لمقترح صديقه عبدالرحمن الشثري، الذي كان يومها يجوب المكان طولاً وعرضاً لتنسيق فقرات المناسبة التي اقترح تأسيسها وشارك في تدشين خطواتها الأولى، وكان فيها إلى جانب كريّم عضواً في مجلس الإدارة، باعتبار أبوهشام ممن عانوا من الفشل الكلوي سابقاً.

في مجلس الشثري، كان صوت بدر كريّم الرخيم يأتي بهدوء كما لو أنه يتحدث أمام مكبر صوت في استديو إذاعي، ما يدفع بعض الجلوس أحياناً إلى أن يطلبوا منه أن يرفع صوته قليلاً ليتمكنوا من متابعة تفاصيل القصة التي كان يتناولها عن ذلك الحدث أو تلك الشخصية. وكانت قصص الفيصل حاضرة باستمرار في أحاديث كريّم الذي كان يرأس الوفود الإعلامية في الزيارات الملكية في عهد الملك الراحل وما بعده. وظلّ كريّم يتحدث بإعجاب خاص عن شخصيات سعودية بارزة أثّرت فيه مثل الشيخ إبراهيم العنقري وآخرون.

اتصف د. بدر كريّم بالتواضع، وكان نبيلاً، دمث الخلق، وصاحب نكتة، وهي صفات لا يلبث أن يلحظها من يتعامل معه. ولم يكن يسخر -رحمه الله- إلا من نفسه، متناولاً عثرات بداياته بلغة من خبر الحياة وبلغ فيها المجد والشهرة بكفاح وشجاعة كان فيها يستفيد من الأخطاء دون مكابرة. ومن معالم وفائه قوله غير مرة أنه روى في كتبه بعضاً مما مر به من مواقف وأحداث، لكن جزءًا آخر سيدفن معه في قبره صوناً لثقة وضعها فيه أناس عمل معهم، ورحلوا قبله عن الدنيا.

كان -رحمه الله- حفيّاً بي ومحباً وكريماً. وأهداني كثيراً من كتبه التي كانت تصحبها رسائل خاصة تضمنت توصيات عن الحياة وتخصص الإعلام. وكان لهذا بالغ الأثر في نفسي، فلم أعتد على رسائل أو دعوات تصلني باسمي الشخصي، كما فعل في حفل مناقشة رسالته للدكتوراة التي حصل عليها بعدما تجاوز الخامسة والستين من عمره من جامعة الإمام بالرياض، إلى جانب مواقف أخرى منحني فيها أكثر مما استحق.

لسنوات طويلة، ظلّ د. بدر كريّم علامة بارزة في الإعلام السعودي بوسائله كافة ممارساً وباحثاً. وعبر مراحل عطائه وكفاحه الطويل، يقدم كريّم دروساً للجيل الجديد من الإعلاميين عن مفاتيح النجاح المهني، حيث مزج الراحل الكبير بين النظرية والممارسة في العمل الإعلامي، وأثبت أن العلم والعطاء ليسا محتكرين بعمر محدد، فاستمر يقرأ ويكتب ويؤلف وينتج وينقد حتى آخر أيامه.

والآن، وهو يغادرنا إلى الرفيق الأعلى بعد معاناة طويلة مع المرض، نقف بإعجاب وتأمل عند إرثه الإعلامي الحافل وشخصيته المتواضعة اللافتة. نعزي أنفسنا، وعائلته الكريمة، ومحبيه، وصديقه الخاص أستاذنا عبدالرحمن الشثري.

رحمك الله أيها الرمز المبتسم.

مقال منشور في:

http://www.al-jazirah.com/2015/20150615/wa1.htm

Advertisements